تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٨ - فائدة اخرى سر الالتفات من الغيبة الى الخطاب
فائدة
إنّ في تقديم إيّاك على نعبد وجوها:
منها: إنّ في هذا التقديم تنبيها منه للعابد على أنّ المنظور إليه في العبادة هو المعبود نفسه لا شيء آخر من طلب ثواب أو دفع عقاب.
و منها: إنّه قدم نفسه لتنبيه العابد من أول الأمر على أن المعبود هو اللّه الحقّ فلا يلتفت يمينا و شمالا و لا يتكاسل في الطاعات و لا يثقل عليه تحمّل العبادات من الركوع و السجود فإنّه إذا ذكر قوله: إيّاك، يحضر في قلبه معرفة الربّ تعالى فبعده سهلت عليه تلك الطاعات و هانت عليه مشقّة العبادات، و مثاله من أراد حمل جسم ثقيل يتناول قبل ذلك ما يزيده قوّة و شدّة. فالعبد لمّا أراد حمل التكاليف الشاقّة يتناول أولا معجون معرفة الربوبيّة من قوله إيّاك حتّى يقوى على حمل ثقل العبوديّة.
و منها: إنّك إذا قلت: نعبدك بتقديم ذكر العبادة منك، فقبل أن تذكر إنّها لمن هي فيحتمل أنّ الشيطان يقول: إنّها للأصنام أو للأجسام كالشمس و القمر: أما إذا غيّرت هذا الترتيب و قلت أولا: إيّاك ثمّ قلت: ثانيا: نعبد فلم يبق مجال لهذا الاحتمال و كان أبلغ في التوحيد و أبعد عن احتمال الإشراك.
و منها: إنّ المعبود متقدّم في الوجود و الشرف على الممكن و كان ينبغي أن يكون ذكره متقدّما على ذكر غيره.
فائدة اخرى [سر الالتفات من الغيبة الى الخطاب]
اعلم إن الدنيا لمّا كانت دار التعب و الكلال و السأمة و الملال فمن عادة فصحاء العرب التفنن في الكلام و العدول من طرز إلى طرز تنشيطا للسامع و تنبيها لذهنه عند